محمد بن عبد الملك الديلمي
43
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية
أحمد بن محمد النوري « 1 » : أحمد بن محمد النوري أبو الحسين ، بغدادي المولد والمنشأ ، بغوي الأصل « 2 » . كان على الهمم عظيم الكرم . وقد قيل : التصوف : كف فارغ ، وقلب طيب . وهو من أقران الجنيد صحب السري وابن أبي الحواري ، نعم ، وكان كبير الشأن عجيب الفطنة ، عظيم البيان ذا رياسة في الفنون ، وسيادة في التصوف ، وتفنن في علوم الحقائق ، وجدّ واجتهد في طلب خير الطرائق بلغ به السمو الحسني وزيادة ، انتهت إليه الرياسة الصوفية في عصره ، وسيادة أهل الطريق في مصره . وكان الجنيد يعظمه جدا ، ذكر أن أحدهم رأى النوري في رياسته يمد يده ، ويسأل الناس فاستقبح ذلك ، وأخبر الجنيد رحمه اللّه فقال : لا يعظم عليك ذلك ، فإنه لم يسأل الناس إلا ليعطيهم في الآخرة - أي الثواب - ثم وزن الجنيد مائة درهم بميزان ، وقبض قبضة وألقاها عليها ، وقال : احملها إليه ، فقال الرجل في نفسه : إنما وزن المائة ليعرف قدرها ، فكيف خلط بها المجهول وهو حكيم ؟ فذهب بها إلى النوري رحمه اللّه فوزن مائة وقال : ردّها عليه ، وقل له : لا أقبل منك شيئا ، وأخذ ما زاد ، فزاد تعجب الرجل ، فسأل النوريّ عن ذلك ، فقال : إنّ الجنيد يريد أخذ الجبل بطرفيه ، وزن مائة لنفسه طلبا للثواب ، وطرح عليها قبضة بلا وزن للّه ، فأخذنا مال اللّه وردد ما جعله لنفسه ، فردّها على الجنيد وأخبره ؛ فبكى ، وقال : أخذ ما له ورد ما لنا . قال الخطيب البغدادي : وهو أعلم العراقيين بلطائف علم القوم .
--> ( 1 ) انظر في ترجمته : طبقات الصوفية ( 2 ) ، ( ص 164 ) ، وحلية الأولياء ( 10 / 149 ) ، وصفوة ( 2 / 294 ) ، والمنتظم ( 6 / 77 ) ، وتاريخ بغداد ( 5 / 130 ) ، والبداية والنهاية ( 11 / 106 ) ، والطبقات الشعرانية الكبرى ( 1 / 26 ) . ( 2 ) قال ابن الأعرابي : أبو الحسين النوري خراساني الأصل من قرية بين هراة ومرو الرّوذ يقال لها : بغشور ، لذلك كان يعرف بابن البغوي . وكان من أجل مشايخ القوم وعلمائهم لم يكن في وقته أحسن طريقة منه ولا ألطف كلاما .